الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و تَدَّعُونَ بتشديد الدال مضارع ادّعى . وقد حذف مفعوله لظهوره من قوله : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الملك : 25 ] ، أي تدّعون أنه لا يكون . و بِهِ متعلق ب تَدَّعُونَ لأنه ضمّن معنى « تكذّبون » فإنه إذا ضمّن عامل معنى عامل آخر يحذف معمول العامل المذكور ويذكر معمول ضمنه ليدل المذكور على المحذوف . وذلك ضرب من الإيجاز . وتقديم المجرور على العامل للاهتمام بإخطاره وللرعاية على الفاصلة . والقائل لهم هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ملائكة المحشر أو خزنة جهنم ، فعدل عن تعيين القائل ، إذ المقصود المقول دون القائل فحذف القائل من الإيجاز . والقصر المستفاد من تعريف جزأي الإسناد تعريض بهم بأنهم من شدة جحودهم بمنزلة من إذا رأوا الوعد حسبوه شيئا آخر على نحو قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ الأحقاف : 24 ] . وقرأ الجمهور سِيئَتْ بكسرة السين خالصة ، وقرأه ابن عامر والكسائي بإشمام الكسرة ضمة ، وهما لغتان في فاء كل ثلاثي معتل العين إذا بني للمجهول . وقرأ الجمهور تَدَّعُونَ بفتح الدال المشددة وقرأه يعقوب بسكون الدال من الدعاء ، أي الذي كنتم تدعون اللّه أن يصيبكم به تهكما وعنادا كما قالوا فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] . [ 28 ] [ سورة الملك ( 67 ) : آية 28 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) هذا تكرير ثان لفعل قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [ الملك : 23 ] . كان من بذاءة المشركين أن يجهروا بتمني هلاك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهلاك من معه من المسلمين ، وقد حكى القرآن عنهم أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [ الطور : 30 ] وحكى عن بعضهم وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [ التوبة : 98 ] ، وكانوا يتآمرون على قتله ، قال تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ [ الأنفال : 30 ] ، فأمره اللّه بأن يعرفهم حقيقة تدحض أمانيّهم ، وهي أن موت أحد أو حياته لا يغني عن غيره ما جره إليه عمله ، وقد جرّت إليهم أعمالهم غضب اللّه ووعيده فهو نائلهم حيي الرسول صلى اللّه عليه وسلم أو بادره المنون ،